الخميس، 8 يناير 2026

في ظلالِ كذبةِ القانونِ الدوليّ

 أهلاً بكم في قاعة المحكمة الدولية، حيث النصوص مقدسة والأنفس رخيصة، وحيث لا يُقاس الحق بـ ميزان العدالة، بل بـ سُمك المحفظة السياسية و نفوذ السلطة و منطق القوة العاري هنا، يُكتب القانون بيد الأقوياء لِيُطبق فقط على الضعفاء، وتتحول الحقوق الكونية إلى امتيازات حصريّة يمنحها قانون القوة لمن تشاء، ويمنعها عمن يشاء


في مدرجات كليات الحقوق، حاصرونا بنظريات القانون الدولي العام وأطربوا مسامعنا بقدسية ميثاق الأمم المتحدة وكيف أنه الحصن المنيع لسيادة الدول وحريات الشعوب. درسنا عن العدالة الكونية وكأنها قدرٌ محتوم، لكن الواقع كان يجهز لنا درساً أكثر قسوة؛ فخلف تلك المجلدات الضخمة والمصطلحات اللاتينية المنمقة، يختبئ قانونٌ آخر لا يُدرس في الجامعات: قانون القوة . اكتشفنا أن ما نسميه قانوناً هو في الحقيقة مجرد هندسة لغوية وُضعت لترويض الضحايا لا لمحاسبة الجلادين. فبينما ننشغل نحن كطلاب وباحثين في تفسير النصوص وتحليل الثغرات، تكون هرمية النفوذ أولئك  الذين يجلسون في قمة الهرم، يملكون السلطة والسلاح، ويقررون  لمن تكون الحقوق ولمن تكون المذبحة  قد صاغت الحكم مسبقاً خلف الكواليس. الحقيقة التي لم يخبرونا بها في الجامعات هي أن الميثاق يصبح مقدساً فقط عندما يخدم القوي، ويتحول إلى قصاصات ورق لا قيمة لها حين يطالب الضعيف بحقه في الوجود


المفارقة التي لا تدركها كتب القانون هي أن أصحاب القمة لا

 يتصادمون مع النص الدولي. هم ببساطة يتجاوزون وجوده ببرودٍ

 لا يملكه إلا من يملك القدرة على إعادة تعريف الحقيقة. في هذه

 المنظومة، لا يُعتبر القانون مرجعاً بل يُعامل كـ  خيارٍ اختياري ؛

 يُستدعى بقدسيةٍ مبالغ فيها عندما يحاصر الضعفاء، ويُنفى ببرودٍ

 تام عندما يلامس أطراف مصالح الكبار

نحن لا نواجه خرقاً للقواعد، بل نواجه سيادةً ترى في القانون قيداً للرعاع فقط. لقد تحولت العدالة الدولية من مبدأ إلى خدمةٍ لوجستية  تُقدَّم فقط لمن يملك ثمنها نفوذاً وسطوة. الحقيقة المُرّة هي أننا لا نعيش في ظل قانون، بل في ظل ساديةٍ مُقنّنة حيث يُستدعى النصُّ ليكون حبل مشنقةٍ حول عنق الضعيف، ويُنفى ليصبح بساطاً أحمر تحت أقدام القوي. نحن لا نواجه نظاماً يخطئ في التطبيق، بل نواجه سيادةً عمياء ترى في دماء الشعوب مجرد هوامش لا تستحق حتى عناء التبرير. إن الحق في هذا العالم ليس مبدأً يُصان، بل هو سلعةٌ تُباع في المزاد الدول؛ فمن لا يملك الثمن نفوذاً، فليقبل بأن يكون موته مجرد سقطةٍ إجرائية في سجلات عالمٍ لا يرى في العدالة سوى نكتةٍ سمجة يتبادلها الكبار في غرف 'الفيتو' المغلقة

اليوم، لم نعد نملك ترفَ الانتظارِ على أعتابِ المحاكمِ الدولية، فقد أدركنا أخيراً أنَّ المطرقةَ التي تُدقُّ هناك لا تُقرُّ حقاً، بل تُسمِّرُ نعشَ  العدالة. رحمَ اللهُ القانونَ الدوليَّ.. كان كذبةً ، تعايشنا معها طويلاً حتى ظننا أنها حقيقة ؟  لكننا اليومَ نُشيّعُ جثمانَ الوهمِ الأخير؛ فلا ميثاقَ يحمي من لا يملكُ القوة، ولا نصَّ يقرأُ أوجاعَ مَن سقطوا من اعتبار الوجود. لقد أُغلقتِ الدفاتر، وجفَّ الحبر، ولم يبقَ في الميدانِ إلا صوتُ الحقيقةِ العارية: الحقُّ لمن غلب، والعزاءُ لمَن صدّقَ يوماً أنَّ العالمَ محكومٌ بالقانونِ لا بالقوة



إذا كان القانونُ لا يحمينا، والقوةُ تسحقنا، والصمتُ يقتلنا.. فما

 الذي تبقّى لنا لنخسره، ونحنُ نقفُ عراةً أمامَ حقيقةٍ تقول: إنّ

 الإنسانيةَ كانت مُجرّدَ أُمنيةٍ صَدَّقَها الضُّعفاءُ لِيَناموا بأمانٍ زائف،

 بينما اتَّخَذَها الأقوياءُ ستاراً يُمحونَ خَلفَهُ اعتبارَ وجودِنا دونَ أن

 تَرجُفَ لَهُم ضَمائرُ مَيِّتة؟











 



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

وفاة رفعت الأسد في دبي: نهاية جزار حماة الذي هرب من سجون أوروبا وطاردته لعنة المليار

في صبيحة الحادي والعشرين من يناير لعام 2026، أُعلن في مدينة دبي عن وفاة رفعت الأسد، شقيق الرئيس السوري الأسبق حافظ الأسد، عن عمر ناهز 88 عام...