الخميس، 15 يناير 2026

العدالة في عدم التساوي


كثيراً ما نخطئ حين نظن أن العدالة هي صورة أخرى من صور المساواة، بينما الحقيقة أن المساواة المطلقة قد تكون أحياناً أقسى أنواع الظلم

 

 تخيل يا صديقي، أننا في بستانٍ شاسع، وهناك ثلاثة أشخاص يحاولون قطف ثمار شجرة عالية؛ أحدهم طويل، والثاني متوسط القامة، والثالث قصير جداً. المنطق السطحي يقتضي أن نعطي كل واحد منهم صندوقاً واحداً ليقف عليه؛ هذه هي المساواة، وهذه هي المعاملة بالمثل. لكن، هل أنصفناهم؟ في الحقيقة، نحن بهذا المنطق منحنا الطويل زيادة لا يحتاجها،  وتركنا القصير في مكانه لا يطال الثمر. لقد تساوت الأداة، وفشلت العدالة

إن حصر العدل في مبدأ المساواة هي المعاملة بالمثل، هو فخ منطقي بامتياز لانها أن تعطي الجميع نفس الحق، بينما العدالة هي أن تعطي كل شخص حقه المناسب لاحتياجه. إنّ حصر الإنصاف في تقديم ذات العطاء للجميع هو تجاهلٌ صارخ لتباين الظروف الإنسانية، وهو في حقيقته انحيازٌ للأقوى. لذا، فإنّ قمة العدل تكمن في عدم التساوي؛ لأنّ المساواة الحقيقية لا تتحقق بوحدانية الوسيلة، بل بالاستجابة لخصوصية الاحتياج، ليصبح المنطق هو منح كل فردٍ ما يلزمه ليتكافأ مع غيره في النتيجة


وإذا أردنا أن نستنِد إلى المنهج الأسمى في الإنصاف، فلا نجد أبلغ من قول رسول الله ﷺ: "أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ" ففي هذا التوجيه النبوي يكمن جوهر العدالة الحقيقية؛ إذ ليس من العدل أن نساوي بين المختلفين في الظروف والاحتياجات، بل العدل هو أن نرى مكانة كل فرد، وثقل ظرفه، وما تقتضيه حاجته، فنتعامل معه بما يجبر كبواته أو يعزز قدراته. إنّ تنزيل الناس منازلهم هو التطبيق العملي لرفض المساواة الجافة، وهو اعترافٌ نبوي بأنّ لكل روحٍ مقاماً، ولكل ظرفٍ حكماً، ولكل إنسانٍ مقاساً من التعامل لا يستقيم حاله إلا به


المساواةُ هي أكبرُ كذبةٍ نَختبئُ خلفَها كي لا نضطرَّ لمواجهةِ وجعِ كلِّ إنسانٍ على حِدة؛ فالعَدلُ الحقيقيُّ لا يَسكنُ في التماثُل، بل في تلك البصيرة التي ترفضُ أن تساوِيَ بينَ جميع البشر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

وفاة رفعت الأسد في دبي: نهاية جزار حماة الذي هرب من سجون أوروبا وطاردته لعنة المليار

في صبيحة الحادي والعشرين من يناير لعام 2026، أُعلن في مدينة دبي عن وفاة رفعت الأسد، شقيق الرئيس السوري الأسبق حافظ الأسد، عن عمر ناهز 88 عام...