في صبيحة الحادي والعشرين من يناير لعام 2026، أُعلن في مدينة دبي عن وفاة رفعت الأسد، شقيق الرئيس السوري الأسبق حافظ الأسد، عن عمر ناهز 88 عاماً. لم يكن هذا الرحيل مجرد طي لصفحة سياسي سابق، بل كان الختام البيولوجي لواحدة من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في التاريخ السوري الحديث. رحل الأسد وهو يحمل على كاهله إرثاً ثقيلاً من الملاحقات القانونية الدولية وملفات حقوق الإنسان التي لم تغلقها سنوات المنفى الطويلة. في هذا المقال، نعرض المحطات القانونية والسياسية التي رسمت مسيرة قائد سرايا الدفاع، وكيف انتهت به الأقدار بعيداً عن السلطة التي صارع لأجلها وعن القضاء الذي طارده
من هو رفعت الأسد؟
وُلد رفعت علي سليمان الأسد في قرية القرداحة عام 1937. التحق بالكلية الحربية وتدرج في الرتب العسكرية بالتزامن مع صعود شقيقه حافظ الأسد إلى السلطة
أهم محطاته المهنية والسلطوية:
- تأسيس سرايا الدفاع: تولى قيادة سرايا الدفاع عن الثورة، وهي قوة عسكرية مستقلة عن قيادة الجيش والوزارات التقليدية، كانت مكلفة بحماية النظام وتأمين العاصمة.
- المناصب السياسية: شغل منصب عضو القيادة القطرية لحزب البعث، وعُين نائباً لرئيس الجمهورية لشؤون الأمن القومي.
- النفوذ الاقتصادي: عُرف بنفوذه الواسع في مؤسسات الدولة، مما مكنه من تكوين ثروة ضخمة أثارت لاحقاً تساؤلات قانونية دولية حول مصدرها
أحداث حماة 1982: الدور والمسؤولية
تعد أحداث مدينة حماة عام 1982 المحطة الأكثر دموية في سجل رفعت الأسد العسكري. بصفته قائداً لـ سرايا الدفاع، قاد العمليات الميدانية التي استهدفت المدينة لإنهاء تمرد الطليعة المقاتلة.
أسفرت العمليات عن تدمير أجزاء واسعة من المدينة وسقوط آلاف الضحايا من المدنيين (تقديرات المنظمات الدولية تراوحت بين 30 إلى 40 ألف قتيل). ورغم نفي رفعت الأسد المتكرر لمسؤوليته المباشرة، إلا أن تقارير حقوقية وشهادات لمسؤولين سابقين، بالإضافة إلى تصريحات صحفية منسوبة له، أكدت أن سرايا الدفاع كانت القوة الأساسية المنفذة للحصار والقصف.
صراع الأشقاء: محاولة انقلاب 1984
في عام 1984، استغل رفعت الأسد مرض شقيقه حافظ الأسد لمحاولة السيطرة على العاصمة دمشق ونزع السلطة. أدى هذا التحرك إلى مواجهة عسكرية وشيكة بين سرايا الدفاع وقوات الجيش الموالية لحافظ الأسد.
انتهت الأزمة بتسوية سياسية غادرت بموجبها شخصيات قيادية البلاد، وعلى رأسهم رفعت الذي خرج بصفقة مالية ضخمة (تتحدث المصادر التاريخية عن مبالغ تجاوزت مليار دولار) استقر بعدها في أوروبا، وتحديداً بين فرنسا وإسبانيا وبريطانيا.
الملاحقات القانونية الدولية:
لم تكن إقامة رفعت الأسد في أوروبا هادئة كما أراد فتحولت حياته إلى سلسلة من الملاحقات القضائية :
القضاء السويسري (ملف جرائم الحرب): واجه رفعت اتهامات بالإشراف على إعدامات خارج القانون وعمليات تعذيب ممنهجة في الثمانينيات. في عام 2022، حسمت المحكمة الجنائية الفيدرالية السويسرية الجدل بإصدار مذكرة توقيف بحقه، معتبرة أن وجوده في جنيف وقت فتح التحقيق يمنحها الولاية القضائية لملاحقته، مما أثبت أن جرائم الحرب لا تسقط بالتقادم.
القضاء الفرنسي (الإثراء غير المشروع): تركزت الملاحقات هنا على الجانب المالي، حيث أثبتت التحقيقات أن إمبراطوريته العقارية بُنيت بأموال عامة مختلسة جرى غسلها. وفي حكم تاريخي، قضت محكمة باريس بسجنه أربع سنوات ومصادرة أصوله الضخمة، مما شكل ضربة قاصمة لـ الشرعية المالية التي تمتع بها لعقود.
محطات منفى رفعت الأسد :
مرت رحلة رفعت خارج سوريا بمرحلتين مفصليتين رسمتا مشهد النهاية:
المرحلة الأولى: المنفى الأوروبي (ثمن السلطة): استمر لعقود عاش فيها كمعارض ، يمتلك الوسائل والقصور، حتى تحول وجوده إلى عبء قانوني وأخلاقي على الدول المضيفة بعد صدور أحكام المصادرة.
المرحلة الثانية: الهروب بعد سقوط النظام: مع الانهيار الدراماتيكي لنظام بشار الأسد في أواخر عام 2024، وجد رفعت نفسه وحيداً بلا غطاء سياسي أو ملاذ آمن في سوريا الجديدة. اضطر للهروب سريعاً باتجاه لبنان كملجأ مؤقت، ومنه انتقل إلى دبي، حيث قضى ما تبقى من عمره بعيداً عن الأضواء والسلطة التي صارع لأجلها، حتى وفاته في 28 يناير 2026.
بوفاة رفعت الأسد، قد تُغلق المحاكم ملفاتها إجرائياً، لكن التاريخ لا يغلق صفحاته. لقد رحل رفعت الأسد ليقف اليوم أمام الميزان الذي لا يميل؛ فإذا كان قد نجح في الهروب من عدالة الأرض عبر الصفقات السياسية لعقود، فإنه اليوم بين يدي من لا يُظلم عنده أحد، لتبدأ المحاكمة الحقيقية التي لا نفي فيها ولا استئناف.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق