يحدد قانون المخدرات والمؤثرات العقلية رقم 23 لسنة 2016 وتعديلاته الصادرة عام 2021 الأطر القانونية لضبط جرائم الحيازة والتعاطي والاتجار في الأردن. يتناول هذا التشريع المسؤولية الجزائية المترتبة على الأفعال الجرمية وتفاصيل المواد القانونية المنظمة لها وفي هذا المقال، أقدم لكم شرحاً قانونياً قائماً على نصوص القانون
الأفعال المجرمة في قانون المخدرات الأردني
حدد المشرّع الأردني في قانون رقم 23 لسنة 2016 وتعديلاته الصادرة عام 2021 نطاق الأفعال التي تقع تحت طائلة المسؤولية الجزائية، حيث شمل التجريم سلسلة من السلوكيات المرتبطة بالمواد المخدرة والمؤثرات العقلية. وتتمثل أبرز هذه الأفعال المجرمة في: حيازة المواد المخدرة بقصد التعاطي أو الاتجار، ونقل وتخزين السلائف الكيماوية، وترويج المواد المخدرة بكافة الوسائل بما فيها الوسائل الإلكترونية المستحدثة، بالإضافة إلى زراعة أو تصنيع أو استيراد أي مادة مدرجة ضمن الجداول القانونية دون ترخيص رسمي. إن التمييز بين هذه الأفعال يعتمد بشكل أساسي على القصد الجرمي المقترن بالسلوك، وهو ما يحدد نوع العقوبة والوصف القانوني للجريمة
حيازة المخدرات بقصد التعاطي
يفرق القانون الأردني في حكمه على أفعال التعاطي والحيازة الشخصية بناءً على الظروف الجرمية؛ ففي حال ارتكاب الفعل للمرة الأولى، يتمتع الجاني بحماية قانونية تتمثل في عدم اعتبار الفعل سابقة جرمية أو قيداً أمنياً، مع إمكانية استبدال العقوبة بالالتزام بالعلاج في المراكز المختصة. وفي هذه الحالة، تملك المحكمة صلاحية لموافقة على إخلاء السبيل بالكفالة، شريطة ثبوت قصد التعاطي لا الترويج، حيث تستند المحكمة في قرارها إلى نوع المادة، الكمية المضبوطة، وخلو سجل الشخص من السوابق والمحكمة المختصة هي محكمة أمن الدولة
عقوبة حيازة المخدرات للتعاطي
تُحدد العقوبة وفقاً لأحكام المادة 9 من قانون المخدرات والمؤثرات العقلية بناءً على نوع المادة المخدرة وتصنيفها؛ حيث تتراوح العقوبة في حدها العام بين الحبس مدة لا تقل عن شهر ولا تزيد على ثلاث سنوات، وبغرامة تتراوح بين 200 إلى 3000 دينا رمع مراعاة أن نوع المادة المضبوطة هو المعيار الأساسي الذي تعتمد عليه المحكمة في تقدير مدة الحبس وقيمة الغرامة
تكرار التعاطي : أما في حالات التكرار، فتزول هذه الحماية القانونية وتتجه المحكمة نحو تشديد العقوبة، حيث لا يستفيد الجاني من الأسباب المخففة التقديرية (الظروف المخففة) التي قد تنزل بالعقوبة للحد الأدنى
سقوط الحق العام عند تسليم المتعاطي نفسه
بعيداً عن العقوبات، تضمن القانون نصاً إنسانياً يهدف إلى إصلاح الفرد وحمايته بدلاً من مجرد معاقبته. فقد نصت الفقرة ( و ) من المادة 9 على أن الحق العام يسقط ولا تقام الدعوى ضد من يتعاطى المواد المخدرة في حال تقدم من تلقاء نفسه أو من خلال أقاربه بطلب للعلاج لدى المراكز المختصة
هذا النص يعكس رغبة المشرّع في منح فرصة حقيقية لمن يريد التوبة والتعافي، شريطة أن يتم ذلك قبل أن يتم ضبطه من قبل الجهات المختصة، مما يحمي مستقبله ويضمن له الخصوصية والعلاج دون ملاحقة قانونية
حيازة المخدرات بقصد الاتجار
تُصنف جرائم الاتجار بالمخدرات كواحدة من أخطر الجرائم التي تمس أمن المجتمع واستقراره، لما لها من آثار تدميرية عابرة للفرد والمجتمع. ووفقاً لـ المادة 19 من القانون، يُقصد بالحيازة بقصد الاتجار كل فعل يتضمن (حيازة، شراء، بيع، استلام، تسليم، نقل، أو تخزين) للمواد المخدرة والمؤثرات العقلية بهدف التملك والاتجار
فقد جاء بنص المادة (إذا قام الجاني بجلب أو إنتاج أو صنع أو هرب أو اشترى أو باع أي مادة مخدرة، أو مؤثرات عقلية ،أو مستحضراً، أو نبتة من النباتات المنتجة لمثل تلك المواد أو المؤثرات أو حاز أو أحرز أو نقل أو خزن مثل تلك المواد والمؤثرات والنباتات أو استوردها أو صدرها أو تعامل أو تداول بها بأي صورة من الصور بما في ذلك تسلمها وتسليمها أو التوسط في أي عملية من هذه العمليات)
ولا يكفي الركن المادي للجريمة فحسب، بل يجب أن يتوفر القصد الخاص؛ وهو انصراف نية الجاني بوضوح إلى الاتجار بالمادة وليس مجرد استهلاكها الشخصي، وتستدل المحكمة على هذا القصد من خلال القرائن المادية المحيطة بالواقعة
عقوبة حيازة المخدرات للاتجار
قرر المشرع لهذه الجريمة عقوبة الأشغال المؤقتة لمدة لا تقل عن خمس عشرة سنة، وغرامة مالية تتراوح بين 10 آلاف إلى 20 ألف دينار أردني
الظروف المشددة
يرتقي القانون بالعقوبة لتصل إلى الأشغال المؤبدة وغرامة لا تقل عن 20 ألفاً ولا تزيد على 30 ألف دينار في حالات محددة ، وهي
التكرار: في حال عودة الجاني لارتكاب ذات الفعل الجرمي.
صفة الجاني: إذا كان الجاني من الموظفين أو المستخدمين أو العاملين المنوط بهم مكافحة هذه الجرائم أو الرقابة عليها.
استهداف القصر: في حال ارتكاب الجريمة مع قاصر (من لم يكمل الثامنة عشرة) أو استخدامه في تنفيذها
ترويج المخدرات
يُعرف الترويج بأنه كل فعل يهدف إلى نشر المواد المخدرة أو توزيعها أو نقلها أو التوسط فيها ، بأي صورة أو وسيلة كانت بما في ذلك المواقع الالكترونية و وسائل التواصل وهذا حسب المادة 15 من قانون المخدرات الاردني
عقوبة ترويج المخدرات
وفقاً للمادة 15، يُجرم القانون أفعال ترويج المواد المخدرة بكافة صورها. وتتحدد العقوبات بناءً على جسامة الفعل والظروف المحيطة به كما يلي
العقوبة الأساسية: الأشغال المؤقتة لمدة لا تقل عن خمس سنوات، وغرامة مالية لا تقل عن 15 ألف دينار
الظروف المشددة
تُشدد العقوبة لتصبح الأشغال المؤقتة لمدة لا تقل عن عشر سنوات في حال ارتكاب جريمة الترويج مع قاصر أو استخدامه في تنفيذها
حالة التكرار: في حال التكرار، يشدد القانون العقوبة بحيث لا يجوز للمحكمة الأخذ بالأسباب المخففة التقديرية (أي لا يوجد ظروف تخفيف)، وذلك لضمان الردع ومنع العودة للجرم.
الشروع والاشتراك الجرمي
من القواعد المشددة في قانون المخدرات والمؤثرات العقلية الأردني، أن المشرّع ساوى في العقوبة بين الجريمة المكتملة وبين حالات الشروع أو الاشتراك.
المساواة في العقوبة: يُعاقب كل من الشريك (الذي ساعد أو حرض أو اتفق) والمتدخل بذات العقوبة المقررة للفاعل الأصلي في الجريمة التامة
الشروع: لا يُفرق القانون بين من أتمّ الجريمة الجنائية وبين من شرع في ارتكابها ولم تكتمل لسبب خارج عن إرادته؛ حيث تُفرض العقوبة كاملة كما لو أن الجريمة قد وقعت فعلاً، وذلك لخطورة النية الجرمية في قضايا المخدرات ولتحقيق الردع الكامل
مصادرة الأموال والأملاك
لم يقتصر القانون على عقوبة الحبس، بل امتدت العقوبة لتشمل الجانب المالي لضمان اجتثاث الجريمة من جذورها. حيث تقضي المحكمة بـ المصادرة لجميع الأموال المنقولة وغير المنقولة التي تم الحصول عليها نتيجة او استخدمت في ارتكاب أي من جرائم المخدرات (مثل الاتجار أو الترويج)
ماذا تشمل المصادرة؟
الأدوات والوسائل: مثل المركبات، الهواتف، أو أي وسيلة استُخدمت في تنفيذ الجريمة.
الأموال والممتلكات: العقارات أو الحسابات البنكية التي ثبت أنها من عائدات الجرم.
المواد المضبوطة: مصادرة المواد المخدرة والمؤثرات العقلية وإتلافها.
هذا الإجراء يهدف إلى تجريد الجاني من أي مكاسب مادية حققها، وضمان عدم استخدام هذه الأموال في تمويل أنشطة جرمية مستقبلاً
في النهاية الخوف الحقيقي ليس من قرار حبسٍ يقيد الحرية لمدّة، ولا من غرامةٍ تدفع وتنتهي؛ فهذه أثمانٌ مادية لها آخر. لكن الخوف هو تلك اللحظة التي يكتشف فيها الإنسان أنه خسر نفسه؛ أن يخرج إلى الدنيا فيجد أنه صار غريباً عن ذاته، مكسوراً في عيون من يحب، ومسكوناً بندبةٍ في الروح لا يمحوها تقادم الزمن. الحبس الحقيقي ليس جدراناً أربعة، بل هو أن يعيش المرء حراً بجسده بينما تظل روحه سجينة نظرة المجتمع، والفرص التي ماتت، والنسخة المحطمة من نفسه التي لا يمكن استردادها. القانون يحاسب لمرة، لكن الذاكرة والضمير لا يتوقفان عن المحاكمة أبداً
كتب بواسطة : المحامية المتدربة رهف عواد
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق