الجمعة، 23 يناير 2026

من عقيدة مونرو إلى عقيدة دونرو


عقيدة دونرو 2026 رهف عواد فنزويلا ترامب

من عقيدة مونرو إلى عقيدة دونرو

هل يمكن لفكرة وُلدت قبل أكثر من مائتي عام أن تتحكم في عناوين الأخبار اليوم؟ في عام 2026، عاد مصطلح عقيدة مونرو ليظهر من جديد على طاولة النقاش السياسي، متزامناً مع توجهات إدارة الرئيس ترامب نحو إعادة تعريف النفوذ الأمريكي. بعيداً عن التعقيدات السياسية، يبدو أننا أمام محاولة لإعادة إحياء مبدأ قديم يضع سيادة الدول ومصالح القوى العظمى في ميزان واحد. في هذا المقال، سنفكك بساطة هذه العقيدة التاريخية، ونفهم لماذا يرى الكثيرون أنها المفتاح لفهم التحركات الأمريكية الحالية في المنطقة والعالم

أولاً: ما هي عقيدة مونرو (1823)؟

أعلنها الرئيس الأمريكي الخامس جيمس مونرو عام 1823، وكانت تقوم على مبدأ بسيط وخطير في آن واحد: "أمريكا للأمريكيين". تضمنت العقيدة وقتها ثلاث نقاط رئيسية

منع الاستعمار: اعتبار القارة الأمريكية (شمالاً وجنوباً) منطقة مغلقة أمام أي محاولات استعمارية أوروبية جديدة


عدم التدخل المتبادل: تعهدت الولايات المتحدة بعدم التدخل في شؤون الدول الأوروبية، مقابل عدم تدخل أوروبا في شؤون دول نصف الكرة الغربي


الأمن القومي: اعتبار أي تدخل خارجي في شؤون دول أمريكا اللاتينية بمثابة "عمل عدائي" مباشر ضد الولايات المتحدة

ومع مرور الوقت، تحولت هذه العقيدة من درع دفاعي لحماية الجيران إلى ذريعة للتدخل، حيث بدأت واشنطن تعتبر أمريكا اللاتينية حديقتها الخلفية (وهو تعبير مجازي يُستخدم لوصف منطقة جغرافية تقع بالقرب من دولة عظمى، وتعتبرها هذه الدولة منطقة نفوذ خاصة بها لا يحق لأحد التدخل فيها)، وبناءً عليه أصبح يحق لها التدخل عسكرياً وسياسياً لحماية مصالحها


ثانياً: 2026.. عقيدة دونرو

لم يعد الحديث عن عقيدة مونرو مجرد تحليلات صحفية ، بل صار سياسة رسمية أعلنها وزير الدفاع الأمريكي، بيت هيغسيث، بوضوح تام. في منتدى رونالد ريغان للدفاع، أطلق هيغسيث تصريحاً زلزل الأوساط السياسية حين قال إن هذه العقيدة سارية المفعول وأقوى من أي وقت مضى

هذا التصريح لم يأتِ من فراغ، بل جاء بعد يوم واحد فقط من صدور استراتيجية الأمن القومي الجديدة للبيت الأبيض. الرسالة هنا واضحة ومباشرة: البنتاغون يضع الدفاع عن نصف الكرة الغربي كجهد أساسي. وبكلمات أبسط، إدارة ترامب في عام 2026 تعلن للعالم (وللصين وروسيا تحديداً) أن أي نفوذ غريب في القارة الأمريكية هو خط أحمر لا يقبل النقاش

وفي المؤتمر الصحفي الذي عقده ترامب بعد عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، أطلق جملة ستدخل التاريخ، حيث قال : أصبحنا الآن نسميها عقيدة دونرو

  هو مصطلح ابتكره ترامب من خلال دمج الاسمين

دونــالد (Donald)

مــنرو (Monroe)

وهذا الدمج ليس مجرد تلاعب بالألفاظ، بل هو رسالة سياسية قوية جداً. ترامب يريد أن يقول للعالم: أنا أقوم بتحديث مبدأ مونرو القديم (الذي عمره 200 عام) ليصبح بنسخة دونالد ترامب الخاصة بعام 2026

واليوم، يستخدم ترامب هذه العقيدة لتحقيق أربعة أهداف

مواجهة الصين وروسيا: الهدف لم يعد منع أوروبا، بل منع التمدد الاقتصادي للصين والنفوذ العسكري لروسيا في دول مثل فنزويلا وكوبا والأرجنتين

 

العمليات العسكرية في فنزويلا: برر ترامب التحركات العسكرية الأخيرة ضد نظام نيكولاس مادورو (بما في ذلك اعتقاله في يناير 2026) بأنها تطبيق لعقيدة مونرو لاستعادة الهيمنة الأمريكية

 

السيطرة على الموارد: ترامب يربط العقيدة بالمصالح الاقتصادية المباشرة، مثل السيطرة على نفط فنزويلا وضمان أمن الممرات المائية كقناة بنما

 

الهجرة والأمن: تعتبر إدارته أن الفوضى في دول الجوار تهدد أمن أمريكا، وبالتالي فإن التدخل هناك هو حق سيادي لحماية الحدود الأمريكية



ثالثاً: لماذا يجب أن نهتم؟ 


قد يتساءل البعض نحن في منطقة بعيدة، لماذا تهمنا عقيدة تخص القارة الأمريكية؟. الإجابة تكمن في أن ما يحدث في فنزويلا اليوم هو بروفة لما قد يحدث في مناطق أخرى

سياسة القطب الواحد: عودة عقيدة مونرو تعني أن أمريكا في عهد ترامب عادت لتؤمن بأن القوة العسكرية هي الوسيلة الأسرع لحسم الملفات السياسية والقانونية

النفط والطاقة: السيطرة على نفط فنزويلا (أكبر احتياطي في العالم) تعني تحكماً كاملاً في أسعار الطاقة العالمية، وهو ما سيؤثر على ميزانيات كل الدول بلا استثناء


رابعاً: تساؤلات للمستقبل: من سيكون التالي؟

بعد اعتقال رئيس فنزويلا بهذه الطريقة، يقف العالم اليوم أمام تساؤلات مشروعة

هل ستكتفي واشنطن بـ كراكاس عاصمة فنزويلا ؟ أم أن عقيدة دونرو ستتمدد لتشمل دولاً أخرى في القارة اللاتينية، لتصحيح أي مسار لا يعجب البيت الأبيض؟

ردود الفعل العالمية: كيف سيكون رد فعل القوى العظمى مثل الصين وروسيا على إخراج حليفهم الأبرز من المشهد بهذه القوة؟ هل سنشهد تصعيداً في مناطق أخرى كرد فعل؟

مصير القانون الدولي: والأهم، هل يتقبل القانون الدولي في عام 2026 فكرة الوصاية القارية التي يفرضها البيت الأبيض، أم أننا دخلنا فعلياً في عصر القوة فوق القانون؟

الخلاصة

بين عام 1823 وعام 2026، لم يتغير الكثير في العقلية السياسية سوى الأسماء. فمن مونرو إلى دونرو، تظل الحقيقة الثابتة أن القوى العظمى ترسم حدودها بالحديد والنار عندما تشعر بالخطر. اعتقال رئيس فنزويلا لم يكن مجرد خبر عابر، بل هو إعلان عن عصر جديد قد لا تحكمه القوانين الدولية بقدر ما يحكمه منطق القوة 

كتب بواسطة :المحامية المتدربة رهف عواد 

 Trainee lawyer Rahaf Awwad

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

وفاة رفعت الأسد في دبي: نهاية جزار حماة الذي هرب من سجون أوروبا وطاردته لعنة المليار

في صبيحة الحادي والعشرين من يناير لعام 2026، أُعلن في مدينة دبي عن وفاة رفعت الأسد، شقيق الرئيس السوري الأسبق حافظ الأسد، عن عمر ناهز 88 عام...