الخميس، 15 يناير 2026

انطفاء الليالي البيضاء

المَشهَد الأخير في رواية (الليالي البيضاء)

بَقيتُ طويلاً هُناك ، أُتابِعهُما بِنَظراتي... وَ... أخيراً غابا مَعاً عَن بَصَري

تُرى كَيفَ يَشعُرُ بِمَن تَعَلَّقَ قَلبُهُ بِإنسان ثُمَّ أدرَكَ أنَّهُ لَم يَعُد لَهُ وَ لِلأبَد.؟

فيودور دوستويفسكي


هذا السؤال ليس مجرد استفسار أدبي، إنه سقوط حر في هاوية لا قاع لها. الإدراك هنا ليس مجرد معرفة، بل هو نوع من الموت البطيء الذي يحدث والمرء بكامل وعيه. أن يدرك الإنسان أن شيئاً ما انتهى ...للأبد ، واصطدام ببرودة الحقيقة التي لا ترحم ؛ أن العالم يستمر في الدوران، والشمس تشرق في اليوم التالي، بينما الكون الداخلي قد توقف تماماً. في هذه اللحظة، لا يعود الوجع مجرد شعور عابر، بل يصبح حالة وجودية، حيث لا يشعر المرء بالألم، بل يصبح هو الألم نفسه . تتأمل الأيدي، الغرف، والشوارع التي عُبرت يوماً ما، ويتسلل التساؤل : كيف للأشياء أن تظل في مكانها بينما المعنى الذي كان يربطنا بها قد رحل وانتهى ؟
الإنسان يخاف من الملامح التي تغيب، لكن الخوف الحقيقي يكمن في بقاء الملامح مع يقين استحالة اللقاء,، إنه الشعور بحمل جثة لذكرى في الصدر كانت في يوم ما تنبض بالحياة الوجع لا يكمن في الغياب فقط، بل في أننا تركنا مع حواسنا كاملة لنتجرع بها هذا الفراغ. إنك لا تحزن لأنك تفتقدهم فحسب ، بل لأنك مضطر لأن تشاهدهم وهم يموتون بداخل قلبك كل يوم ألف مرة، دون أن تملك حق دفنهم أو نسيانهم
تصبح كمن يقف في منتصف حريق هائل، وبدلاً من الهرب، يظل يحاول احتضان الدخان لأن رائحتهم لا تزال عالقة فيه. إنه رعب أن تكتشف أنك أصبحت صمتاً ممتداً؛ تفتح فمك لتصرخ، فلا تجد صوتاً، لأن كل صرخاتك استهلكتها في توسل الغائبين بداخل رأسك ليلة بعد ليلة . حتى  تدرك أنك لا تنتظر عودتهم، بل تنتظر عودتك أنت... من بعدهم .  وتعرف يقيناً أن النسخة التي كانت تحبهم قد ماتت معهم، وأن ما بقي منك الآن ليس سوى حطام إنسان يحاول أن يلملم شظاياه بيدين مرتجفتين، بينما الجرح لا يزال موجود وحاضر. أنت لا تنزف من الخارج، بل تنزف خيبةً، وتنطفئ ببطء كشمعة وُضعت في مهب ريحٍ غادرة، مدركاً أن أقسى أنواع السجون هي تلك التي نبنيها من ذكريات أشخاص رحلوا وتركوا لنا المفاتيح ضائعة في العدم
إنه رعب الإدراك بأنك أصبحت مقبرة متنقلة؛ تحمل في صدرك جثثاً لوعودٍ لم تتحقق، وضحكاتٍ تجمدت، ونظراتٍ كانت كفيلة بإحياء كونٍ كامل، لكنها الآن... تلاشت في العدم. أنت لا تصارع الغياب، أنت تصارع اللاشيء الذي يبتلعك، تصارع تلك الرغبة العارمة في أن تنزع قلبك من مكانه ليرتاح أخيراً من هذا النبض الذي لا هدف له سوى تذكيرك بأنك لا تزال... تتألم

والان بعد أن غابا معاً عن بصره، وبعد أن انطفأت أنوار الليالي البيضاء، بقي الحالم وحيداً يسأل: كيف يشعر المرء حين يفقد أبده ؟
 نبحث في الكتب، في الفلسفة، وفي وجوه العابرين عن وصفة لشفاء هذا النوع من التعلّق. قد نقول إنها تجربة، أو نضج، أو قسمة ونصيب. لكن، في أعماق تلك الوحدة التي تلي الوداع، ندرك الحقيقة المرة : أننا نتساءل لنملأ الصمت فقط .  الحقيقة هي أننا لا نشعر بشيء محدد، بل نشعر بكل شيء ولا شيء في آن واحد. لا توجد صرخة تكفي، ولا يوجد صمت يداوي. وبعد كل هذا الغوص في تحليل الألم وفلسفة الفقد، نعود لنقطة الصفر.. لنكتشف أنه لا يوجد جواب حقيقي
ربما الجواب الوحيد هو أننا سنظل نسأل، ونظل نتعلّق، ونظل نفقد، في دائرة لا تنتهي من البيضاء التي تتحول فجأة إلى سواد دامس، دون أن نفهم لماذا أو كيف

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

وفاة رفعت الأسد في دبي: نهاية جزار حماة الذي هرب من سجون أوروبا وطاردته لعنة المليار

في صبيحة الحادي والعشرين من يناير لعام 2026، أُعلن في مدينة دبي عن وفاة رفعت الأسد، شقيق الرئيس السوري الأسبق حافظ الأسد، عن عمر ناهز 88 عام...