الأربعاء، 7 يناير 2026

ما بعد الحرب.. من دفع الثمن ؟

 

ما بعدَ الحربِ ليس زمناً، بل هو تيهٌ طويل، هو تلك اللحظة التي يجفُّ فيها حبرُ المعاهدات لتبدأَ دموعُ الأمهاتِ في سطرِ حكايةٍ أخرى لا يسمعها أحد، فبينما يبتسمُ القادةُ في الصورةِ الكبيرة ويتبادلون النكاتَ والوعودَ بـ الإعمار، يبرزُ السؤالُ الذي ينهشُ الروح: مَن سيُعمرُ الخرابَ الذي استقرَّ في قلبِ تلك الفتاة التي ينتظرُ فستانُ زفافِها غائباً لن يعود؟ ومَن يرممُ ذاكرةَ طفلٍ صار البطلُ في حكايتهِ مجردَ صورةٍ باهتةٍ على جدار؟ إنَّ الإعمارَ الحقيقي لا يبدأ من الحجرِ أبداً، بل من تلك الارتجافةِ التي تسكنُ الصدور وهي تسأل بمرارة: مَن سيُعيدُ لنا الذين رحلوا بلا ذنب؟ مَن سيعيدُ الأبَ الذي كان سقفنا، والأمَّ التي كانت دفئنا، والأخَ الذي كان سندنا؟ كيف سنقنعُ أنفسنا ببناءِ بيوتٍ خلت من أرواحِ مَن جعلوا منها وطناً؟ الحقيقةُ الصادمة هي أنَّ الذين باعوا الأوطانَ لم يبيعوا تراباً ومساحات، بل باعوا أعمارنا المهدورة، باعوا طمأنينةَ تلك العجوز في ليلها، وبراءةَ الأطفالِ في أحلامهم، وحوّلوا دماءَ الأحبةِ إلى مجرد أرقام في حساباتِ الربحِ والخسارةِ للآخرين


إنَّ الوجعَ الحقيقيَّ يسكنُ في تفاصيلِ ما بعد النهاية؛ في الكرسيِّ الفارغِ على مائدةِ العشاء، في رائحةِ ثيابِ الغائبين التي ترفضُ أن تغادرَ الخزائن، وفي الصمتِ المريبِ الذي يلفُّ البيوتَ حين تنطفئُ أضواءُ الاحتفالات بالسلام. مَن سيدفعُ ثمنَ سنواتِ الخوفِ التي سكنت في عيونِ الصغار؟ ومَن سيُعوّضُ شيخوخةً سُرِقت بين النزوحِ والركضِ خلفَ الأمان؟ لقد تقاسموا الغنائمَ والمناصب، وتركوا للبسطاء غنيمةً واحدةً فقط: حطاماً يسكنُ الأرواح قبل الأبدان. إنها عدالةُ القوة التي تفرضُ عليكَ أن تبتسمَ أمام الوفاق بينما قلبكَ يصرخُ لرحيلِ مَن كان الوفاقُ الحقيقيُّ في حياتك، ليصبحَ قدركَ أن تعيشَ في بلادٍ عادت جغرافيتها، لكنَّ تاريخكَ الشخصيَّ فيها قد دُفن مع مَن تحب. ليبقى ذاك الصدعُ في الروح هو الأثر الوحيد الصادق الذي لا يمكنُ لمصافحةٍ أو إعمارٍ أن يمحوه، وكأنَّ قدرَ الضحايا أن يظلوا واقفين على رصيفِ الذاكرة، يحرسون غيابَ أحبتهم بدموعٍ لا تُرى، في عالمٍ قررَ أن يمضي قدماً فوق أوجاعهم، متناسياً أنَّ الوطنَ ليس خارطةً تُباع، بل هو الناسُ الذين دُفنت أحلامهم في سبيله دون أن يعرفوا يوماً.. لماذا؟





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

وفاة رفعت الأسد في دبي: نهاية جزار حماة الذي هرب من سجون أوروبا وطاردته لعنة المليار

في صبيحة الحادي والعشرين من يناير لعام 2026، أُعلن في مدينة دبي عن وفاة رفعت الأسد، شقيق الرئيس السوري الأسبق حافظ الأسد، عن عمر ناهز 88 عام...